السامري
رجلٌ من بني إسرائيل،
وُلِد باسم مشابه لسيدنا موسى، ولكنه كان وحيد الولادة في الصحراء. بارك الله فيه
ورعاه، وأرسل جبريل ليعني به ويمدّه بالرعاية والرزق. مع مرور الزمن، نما هذا
الرجل وأصبح شخصًا معروفًا بين قومه.
ومع مرور الوقت، أصبح
هذا الرجل محط انتباه الناس وواجههم بتحديات واختبارات عديدة. بالفعل، وجد نفسه
معرضًا للفتن والشكوك، وأصبح موضوعًا للضلال الكبير. تجسيد الله لهذا الضلال موجود
في القرآن الكريم. هذا الشخص يثير الاهتمام والاستفسارات بشأن مستقبله، وقد أثيرت
توقعات بأنه قد يكون المسيح الدجال.
تفاصيل قصته مذهلة منذ ولادته وحتى اختفائه، وتتضمن عناصر مثيرة تعكس أحداثًا استثنائية في حياته.
في زمن كان فرعون
يمارس قمعًا شديدًا ويأمر بقتل الأطفال الرضع من بني إسرائيل، ظهرت أم شجاعة
استثنائية تحمل ابنها وتهرب به من هذا البطش الفرعوني. وقد وصلت إلى أمان الصحراء
وحدها، وكانت مصرة على إنقاذ ابنها من مصير محتوم. اسمت هذا الرضيع
"موسى"، ولكن اشتهر بلقب آخر أطلقته عليه فيما بعد.
هذا الطفل نشأ وترعرع
في رحمة الله، وكان الله يرسل الملاك جبريل ليمدّه بالطعام والمرافقة ليحميه. مرّت
الأعوام، ونما الطفل موسى وأصبح شابًا وسطع نجمه كقائد وداعية لقومه برسالة الله.
وهكذا بدأت مغامرته الحقيقية في خدمة الله وتوجيه قومه إلى الحق.
ولكن، هذه القصة لم تكن خالية من التحديات، فقد شهدت وقائع مذهلة وأحداثًا غير عادية. وتدور حول هذا الشخص القريب من قلوب الناس، الذي ذكره الله بلقب خاص في القرآن، والذي يعتبر واحدًا من أبرز الأشخاص الذين وثّقهم الله في سجلاته، والذي أصبح فيما بعد مركزًا لأحداث كبرى ومفتاحًا لقصة واحدة من أشهر الشخصيات السالبة في التاريخ، التي ذكرها الله في كتابه المقدس.
بعدما آمن بنو إسرائيل
بموسى كرسول الله، أدرك فرعون خطورة تلك الإيمان ووعدهم بالهلاك. فبدأ أفراد بني
إسرائيل يبحثون عن وسيلة لحماية أنفسهم والابتعاد عن غضب فرعون. قرر البنون أن
يستعينوا بالمصريين ويستعيرُوا منهم الذهب، حيث كان من العادة في تلك الحقبة أن
يستعير العبيد الذهب من أسيادهم ليظهروا به في مناسباتهم وحفلاتهم.
لذلك، قرر المصريون
تلبية طلب بني إسرائيل ومنحهم الذهب. وعندما تبعهم فرعون وجيشه عندما هربوا وعبروا
البحر، انكسرت قوى فرعون وهلكت جيشه. وهكذا أصبح الذهب ملكًا لبني إسرائيل، وكان
متاحًا للعديد من أفراد القوم الذين نجوا من بطش فرعون مع النبي موسى.
ومن بين أولئك الناجين، كان بطل قصتنا يلاحظ هذا الأمر بعناية. إلا أن ملاحظته لم تقتصر على الذهب فقط، بل كانت هناك ملاحظة أعظم تتعلق بمستقبله ومهمته في خدمة الله.
لاحظ وجود فارسٍ جليل
يقترب مع القوم أثناء مشهد انشقاق البحر. كان هذا الفارس ذا أهمية خاصة بالنسبة
له، حيث أعادت هذه الظاهرة ذكريات عديدة من طفولته. تذكر جلياً أن هذا الفارس ليس
ببشري عادي، بل هو ملاك جبريل الذي كان يأتي ليغذيه ويقدم له الرعاية عندما كان
صغيرًا. كان ببساطة يدرك أنه أمام نفس الملاك الذي كان يحميه في صغره.
هذا الاكتشاف أثار
التفكير وزاد من إيمانه وتأكيده في دور الله وتوجيهات الملاك في حياته. وبينما
تلاحظه عيناه الساحرتين وتسعى لإثارة الشكوك والغموض في عقله، قرر بطل قصتنا أن
يأخذ قطعة من آثار الملاك الجليلة. لم يكن يعرف بالضبط كيف سيستفيد منها، ولكنه
شعر بأنها قد تكون ذات أهمية مستقبلية.
فقد يكون هذا القطعة مفتاحًا للعديد من الأمور، سواء في العلاج أو السحر أو مساعدة قومه. لذلك، أخفاها بحذر في جيبه، متطلعًا إلى الفرصة المناسبة التي ستسمح له بتحقيق أقصى استفادة من هذا الإكتشاف الثمين، الذي تعبيراً عنه، جاء من أيدي ملاك الله.
مرت الأيام ولم يتضح لبطل قصتنا كيفية الاستفادة من القطعة التي أخذها من آثار الملاك جبريل. قرر أن ينتظر اللحظة المناسبة، وهكذا استمر في حملها معه.
وفي إحدى الأيام، كانت قافلة موسى وبني إسرائيل تسيرون في صحراء سيناء. وأثناء مرورهم بقوم يعبدون الأصنام بإخلاص، وقفوا ليشاهدوا هذا المشهد بدهشة. كان النظرة تجاه تلك الأمم تشكل نوعًا من التعجب والتأمل، فربما كانت تذكيرًا لهم بما كانوا يفعلونه قبل إيمانهم بسيدنا موسى والله.
لكن بمجرد أن رأوا
قومهم السابقين وهم يعبدون الأصنام بكل انتهازية وجهل، نطق بعض بني إسرائيل
بعبارات كفرية وجريئة، ناكرين نعم الله التي أنعمها الله عليهم. لكن بمجرد أن
سمعوا أنفسهم يقولون هذا، شعروا بالذنب والتوبة، وباتوا يدركون قيمة إيمانهم ونعم
الله عليهم. تكفل الله بهم في اللحظة التي احتاجوا فيها إلى الرشاد.
ومع ذلك، كان هناك شخص
آخر رأى الأمور من زاوية مختلفة تمامًا.
نعم، الشخص الذي يقف
هنا هو السامري واسمه الحقيقي موسى ، الذي أصبح معروفًا بتلك اللحظة المصيرية. وقد
وقف السامري هناك، يشاهد المشهد بتأمل عميق، وفي عقله فكرة شيطانية بدأت تراوده.
هذه الفكرة قد تكون قد أعجبت بني إسرائيل، فربما كانوا يشعرون بأنهم بحاجة إلى شيء
يمثل إلههم ويجيب على رغبتهم في العبادة.
ولكن السامري لم يكتفِ
ببناء صنم عادي لهم، بل قرر بناء شيء فريد ومثير، صنمًا يبدو حيًا ومتحركًا، ليغسل
عقولهم بالكامل ويقنعهم بأن هذا الصنم هو الإله الحقيقي الذي يستحق العبادة.
وهناك كان لدى السامري
سرًا، سر الوصفة التي ستساعده في تحقيق هذا الهدف. ومع ذلك، كانت هناك مشكلة
أمامه، وهي اختيار المادة المثلى لبناء هذا الصنم العظيم. كان يبحث عن معدن ثمين
وفريد من نوعه يكون ملائمًا لهذا الغرض الكبير.
بالفعل، السامري كان
على يقين بأن الذهب هو المادة الأثمن والأنسب لبناء صنم "أبيس" العظيم،
خصوصًا أنه كان متوفرًا بكثرة بين قومه. لكن لتحقيق هذا الهدف الخبيث، بدأ بزرع
الفتن وسرقة بعض الذهب، ثم اتهم الآخرين بارتكاب السرقة. نتج عن هذه التصاعدات
نزاعات وصدامات بين أفراد القوم.
عندما وصلت هذه
الأخبار إلى سيدنا هارون، شقيق موسى عليهما السلام، أخبر موسى بالأمر. فأمر موسى
بجمع كل الذهب المسروق ووضعه في حفرة ثم غلقها بإحكام وأمر بألا يقترب أحد منها.
قام سيدنا موسى شخصيًا بدفن الذهب في هذه الحفرة، وأثناء العملية أكد على أن هذا
المال هو فتنة أكبر من نفعها.
السامري كان يرصد كل
هذه الأحداث عن كثب، وحفظ مكان دفن الذهب بعناية. الآن، لم يتبقى أمامه إلا اللحظة
المناسبة لاستخراج الذهب والبدء في تنفيذ مخططه الخبيث. كان لديه الذهب والأثر
والشكل، وبات كل شيء جاهزًا لبدء عملية بناء الصنم الذي يطمح إليه، والذي سيشكل
جزءًا من مؤامرته الضخمة.
بالفعل، بينما كان
موسى يغيب لمقابلة الله، استغل السامري الفرصة وبدأ بخطته الخبيثة. في الليل الأول
لرحيل موسى، استخرج الذهب بعيدًا عن أعين القوم وبدأ في بناء صنمه. تعمل الليالي
والأيام على إخفاء خططه وتكوين الصنم بعيدًا عن أعين الناس. كل ليلة، ينتقل
السامري بعيدًا لإتمام عمله على صنع الصنم والتلاعب بعقول الناس.
بعد أيام من العمل
الجاد، نجح السامري في تشكيل قالب يشبه عجلًا، وبدأ يقنع بني إسرائيل بأهمية عبادة
إلهٍ يشبه آلهة المصريين. في اليوم الأخير، قام بصهر الذهب وصبه على القالب، ووضع
أثر جبريل عليه. وبهذا، نجح في إنتاج العجل الذهبي الشهير.
كان العجل يبدو وكأنه
حي، يتحرك ويصدر أصواتًا تشبه أصوات العجول. بعض الروايات تدعي أنه كان يتكلم
بلسان بني إسرائيل، ولكن الأمر المؤكد هو أنه كان يخور مثل العجول، وذلك بفضل أثر
جبريل الذي أعطاه لهذا الصنم الخبيث.
عندما استيقظ بنو
إسرائيل صباحًا، وجدوا العجل وسط خيامهم. السامري كان متجاوزًا معه، ساجدًا للصنم.
فأسرعوا ليسجدوا للعجل بدهشة من شكله والأصوات التي يصدرها. سرعان ما أصبحوا
مؤمنين به وعبدة له. أخبرهم السامري أن هذا هو إله موسى، الذي خرج لملاقاتهم ولكنه
ضل الطريق، وقد جاء الإله ليهديهم ويكون إلههم الجديد.
عندما وصل الخبر إلى
هارون، خرج لمواجهة القوم وحذرهم من خطر الكفر والفساد الذي يتسبب فيه عبادة
العجل. وعلى الرغم من مجهوداته في توجيههم إلى الطريق الصحيح، كانت فتنة العجل
ومغرياتها تجعل مهمته صعبة للغاية. استمرت الأمور عدة أيام، وكان هارون ينصحهم
مرارًا وتكرارًا، وحتى فكر في هدم العجل، لكن القوم اقتربوا منه وكادوا يقتلونه.
في هذا السياق، وصل
موسى الذي عبَر عن استيائه من ما رآه، وجمع القوم لمواجهتهم. أشار إلى خيبته منهم
وما تركوه من خلفه بعد رحيله. ثم اقترب من هارون وأمسك به من لحيته وبدأ ينتقد
تقصيره في منع القوم عن الكفر. هارون رد على موسى بأن القوم هددوه وكادوا يقتلونه،
وطالما كانت حياته في خطر، فهو لم يستطع منعهم عن الكفر. موسى ترك هارون بعد هذا
التحدث وبدأ البحث عن السامري الذي أدخل الفتنة بين القوم.
عندما ظهر السامري
أمام موسى، شعر بالندم وأقر بكل أفعاله الخاطئة وتصرفاته السيئة. قال نادمًا
"كذلك سولت لي نفسي". فأصدر موسى حكمًا بنفيه إلى الأبد، وقال له
"اذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس"، مما يعني أنه لن يتعرض للمس
بعد ذلك ولن يمسه أحد، كعقوبة لمساه ما لم يكن ينبغي له. هذا الحكم أثار بعض
الآراء التي ربطته بمفهوم المسيح الدجال، ولكن هذه مجرد اجتهادات ولا تمت للواقع
بأي صلة. بعد الحكم على السامري، جاء الدور لمعالجة قضية العجل.
تم إصدار الأوامر لحرق
العجل ورمي رماده في البحر. ووقف موسى أمام شعبه وأخبرهم بأن إلههم الحقيقي هو
الله، الذي لا يوجد إله إلا هو.

إرسال تعليق