ابن بطوطة
غرناطة
تقع مدينة غرناطة في إقليم الأندلس بجنوب إسبانيا، وهي مدينة تاريخية
تتميز بتراث ثري وتأثير عربي بارز في معمارها وثقافتها. تعتبر غرناطة واحدة من
أبرز الوجهات التاريخية في إسبانيا، ويُعد قصر الحمراء الذي بُني في العصور الوسطى
خلال فترة الأندلس الإسلامية واحدًا من أهم معالمها. يتميز هذا القصر بتصميمه
المعماري الفريد والحدائق الخلابة التي تحيط به.
بالإضافة إلى قصر الحمراء، تحتوي غرناطة على العديد من المواقع
التاريخية والثقافية الأخرى، وتعكس تأثيرات متنوعة من الفترة الإسلامية والفترة
اليهودية في تصاميمها وتراثها الثقافي. وبفضل جاذبيتها الثقافية والتاريخية، تُعد
غرناطة وجهة مفضلة للزوار من مختلف أنحاء العالم.
شهدت مدينة غرناطة في الأندلس حضارة علمية مزدهرة أثمرت عن عدد كبير
من العلماء الذين قدموا إسهامات كبيرة للإسلام والبشرية بأسرها. واحتل الشيخ
الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، المعروف
أيضًا بابن بطوطة، مكانة بارزة بين هؤلاء العلماء.
نبت ابن بطوطة على سواحل المغرب في مدينة طنجة عام 703 هـ (1304 م)،
وكان يُنتَمي إلى قبيلة لواتة، وهي إحدى القبائل البربرية/الأمازيغية الكبيرة التي
انتشرت على امتداد الساحل الشمالي لإفريقيا. ابن بطوطة يعتبر واحدًا من أشهر
المسافرين والرحالة في التاريخ الإسلامي، بل هو سيد الرحالة في القرن الثامن
الهجري، المعادل للقرن الرابع عشر الميلادي، دون منازع.
قضى ابن بطوطة مدة تزيد عن 28 عامًا يتجوّل ويسافر في أرجاء العالم
المعروف في زمانه. بدأت رحلته في مدينة طنجة بالمغرب، ومن هناك مر عبر الساحل
الشمالي لإفريقيا، واستمرت رحلته حتى وصل إلى مصر، ثم جزيرة العرب، ومنها إلى
مناطق مثل الشام، بلاد فارس (إيران حالياً)، البحرين، عمان، وشرق إفريقيا. تعكس
رحلته الطويلة مدى شهامته وحبه لاستكشاف العالم ومشاركة تجاربه مع الناس في مناطق
مختلفة.
بعد ذلك، استمر ابن بطوطة في تجواله حيث زار مناطق متعددة. بدأ بجولة
في آسيا الصغرى (التركية حالياً) وشبه جزيرة القرم ، واستمر في رحلته إلى حوض نهر
الفولجا الجنوبي (جنوب روسيا حالياً)، ثم دخل القسطنطينية (إسطنبول اليوم). بعد
ذلك، توجه شرقًا نحو خوارزم، ومن ثم إلى بخاري وكردستان وأفغانستان والهند، حيث
أمضى هناك ثماني سنوات. بعد ذلك، قام بزيارة جزر المالديف، وبعض الجزر في منطقة
جنوب شرق الهند (والتي تشمل إندونيسيا وماليزيا اليوم).
بدأت رحلة ابن بطوطة في عام 1325 م، حيث استمر في استكشاف مناطق
متنوعة بما في ذلك الصين، وختمت رحلته بالعودة إلى طنجة في عام 1347 م. خلال
رحلاته، تواصل ابن بطوطة مع العديد من العلماء والملوك والأمراء، واستفاد من
هباتهم لتمويل رحلاته.
بعد هذه الرحلة الكبرى، أجرى ابن بطوطة رحلتين قصيرتين، الأولى كانت
في مناطق الأندلس في عام 1350 م،
أكمل ابن بطوطة بعد عودته من الرحلة الكبرى رحلتين قصيرتين، الأولى
في مناطق الأندلس عام 1350 م، والثانية في السودان ووسط إفريقيا في عام 1352 م.
بعد ذلك، استقر في مدينة فاس في عام 1354 م، حيث بدأ بكتابة وصف لرحلته الشهيرة
التي سُمِّيت "تحفة النظار وغرائب الأمصار وعجائب الأسفار" أو
"رحلة ابن بطوطة". يُقدَّر أن ابن بطوطة قطع مسافة تزيد عن 120,000
كيلومتر خلال رحلته.
رحلات ابن بطوطة تتميز بتميزه الفريد والتفرّد في تقديم وصف مُفصل
وشامل للأماكن التي زارها، بما في ذلك تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية
والاقتصادية في تلك البلدان والمناطق. على الرغم من وجود عدد من الرحالة السابقين
مثل المقدسي والإدريسي وابن جبير والسمعاني وياقوت والبيروني، إلا أن ابن بطوطة
تفوق عليهم جميعًا بتفرّده وعمق تفاصيل وصفه للمجتمعات التي زارها والبلدان التي
شهدت رحلاته.
وفارق الحياة ابن بطوطة في مدينة مراكش في عام 779 هـ (1377 م). وباعتباره واحدًا من أعظم رحالة التاريخ الإسلامي، تُلقبه جامعة كامبريدج بلقب "أمير الرحالة المسلمين".
رحلته الى الصومال
انطلق ابن بطوطة من عدن على متن سفينة متجهة إلى زيلع في ساحل
الصومال، ومن هناك انتقل إلى كاب جوردفوي في جنوب الساحل الصومالي، حيث قضى
أسبوعًا في كل منطقة. فيما بعد، زار مقديشيو، التي كانت في عام 1331م على ذروة
ازدهارها. وصف ابن بطوطة المدينة بأنها "المدينة الكبيرة بإفراط"، حيث
كانت تعج بالتجار الأغنياء والتجارة في سلع عالية الجودة تُصدّر إلى دول أخرى، بما
في ذلك مصر. المدينة كانت تحكمها سلطان صومالي ينحدر من البرابرة في شمال الصومال.
وكان السلطان يُتقن اللغتين، الصومالية (المعروفة بلهجة مقديشيو والتي تنتشر في
جنوب الصومال) واللغة العربية، بنفس الطلاقة. كان يحاط السلطان بعدد من الوزراء
والخبراء القانونيين والزعماء والمسؤولين القضائيين والخصوصية الملكية المتنوعة،
الذين كانوا يخضعون لسلطته.
أما بالنسبة للأطعمة في مقديشو في الصومال، حيث يتولى السلطان أبو
بكر بن الشيخ عمر حكمها، فكانت الترحيب بالضيوف تقتضي عرض الأكل وتحفيز الضيوف على
الاستمتاع بالطعام. عندما يدرك السلطان وجود ضيوف جدد مثل ابن بطوطة ورفاقه، يتم
مراسلتهم بتحية ترحيبية، حيث يأتي أحد الأشخاص قائلاً: "مولانا يسلم عليكم،
ويقول لكم قدمتم خير مقدم"، ثم يُقدّم لهم الطعام.
بالنسبة للأكلات، فإنهم يتناولون الأرز المطهو بالسمن ويُقدّم في
صفحة خشبية كبيرة. يُضاف فوق الأرز صحاف الكوشان أو الإدام، والتي تتضمن دجاج ولحم
وأسماك (الحوت) وبقوليات. بالإضافة إلى ذلك، يُطهى الموز في اللبن الحليب ويُقدّم
في صحفة، ويُقدّم اللبن المروب أيضًا في صفحة، ويُضاف إليه الليمون المصبر وعناقيد
الفلفل المصبر المخلل والمملح، بالإضافة إلى الزنجبيل الأخضر. ويُمكنهم أيضًا
تناول العنب قبل نضجه، وبعد نضجه يتذوقونه ويصفون طعمه اللذيذ، مع ملاحظة أنه يشبه
التفاح، رغم أنه في تلك الفترة لم يكن العنب مألوفًا في بلاد المغرب العربي.
وعندما يأكلون من الأرز، يتبعونه بتناول بعض هذه الموالح والمخللات.
كتبه
أبدع ابن بطوطة في الكتابة عدة أعمال أدبية أثناء رحلاته وبعد عودته.
من بين أبرز أعماله يأتي كتابه الشهير "رحلة ابن بطوطة"، الذي يروي
تجاربه ومغامراته أثناء سفره حول العالم لمدة تزيد عن 30 عامًا.
إلى جانب هذا الكتاب، كتب ابن بطوطة أيضًا أعمالًا أخرى تتعلق
بمواضيع متنوعة مثل الجغرافيا والتاريخ والثقافة. ومن بين هذه الأعمال كان له
"تحفة النظار وغرائب الأمصار وعجائب الأسفار" والذي يُعتبر مصدرًا
ثمينًا لفهم الثقافات والحضارات المختلفة التي التقاها أثناء رحلته في القرن
الرابع عشر.
بجانب ذلك، ألف كتابًا يتعامل مع الجغرافيا والأقاليم التي زارها في
كتاب يُعرف بـ "الإقليم"، وكتب آخرى تتناول التاريخ والأحداث التي شهدها
عالمه في كتاب "الأخبار والآثار". تعتبر أعمال ابن بطوطة مراجع مهمة
لدراسة التاريخ والثقافة والجغرافيا في العالم الإسلامي وما وراءه.


إرسال تعليق