رحلة المعرفة والعلم

علم ومعرفة" مدونة تقدم مقالات علمية متنوعة في مختلف المجالات بلغة سهلة الفهم ومصادر موثوقة. تهدف إلى توفير معرفة علمية عالية الجودة للقراء. زوروا المدونة: [https://salasel1992.blogspot.com/]

recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

الطاعون..الموت الأسود ☠️

 

الطاعون..الموت الأسود  

 



الطاعون هو مرض معدي خطير يُسببه البكتيريا Yersinia pestis. يُعرف الطاعون أيضًا باسم الوباء الطاعوني، وهو معروف منذ العصور القديمة كواحد من أخطر الأمراض المعدية. يُنتقل الطاعون عادة عن طريق لدغات البراغيث أو القوارض المصابة بالبكتيريا، ويُمكن أن يُصيب الإنسان عندما تنتقل هذه البكتيريا إليه عبر هذه الوسائل.

هناك ثلاثة أشكال رئيسية للطاعون:

·         الطاعون البكتيري: يُشمل الأعراض ارتفاعًا في درجة الحرارة وتضخمًا شديدًا في العقد الليمفاوية والالتهابات في الرئتين.

·         الطاعون الدموي: يُصيب الدم ويُسبب انتشار البكتيريا في الجسم، مما يُؤدي إلى ظهور بثور على الجلد وتدهور حالة المريض.

·         الطاعون الرئوي: يُصيب الرئتين ويُمكن أن يُنتقل عبر العطس أو السعال من شخص مصاب إلى شخص آخر. 

الطاعون يُعد مرضًا خطيرًا للغاية إذا لم يُعالج بسرعة، وقد تُسبب تفشيات للطاعون في التاريخ في وفاة ملايين الأشخاص. ولكن بفضل التقدم في مجال الطب واستخدام المضادات الحيوية، أصبح من الممكن علاج الطاعون بنجاح إذا تم تشخيصه ومعالجته في وقت مبكر. ومن الجدير بالذكر أن الطاعون نادر في العصر الحديث ولا ينتشر على نطاق واسع.


الطاعون الدبلي


الوباء المروع المعروف بالطاعون الدبلي أو الأسود انتشر في أوروبا خلال منتصف القرن الرابع عشر الميلادي واستمر خلال الفترة من عام 1347 إلى 1352. خلال هذه الفترة، حدثت مأساة هائلة أودت بحياة الكثيرين وزرعت رائحة الموت في أرجاء القارة الأوروبية.

فكيف بدأت هذه الكارثة الوبائية المعروفة باسم "الطاعون الدبلي"؟ من الناحية التاريخية، يشير المصادر إلى أن بداية انتشار الطاعون الدبلي كانت في مناطق آسيا الوسطى وشمال الهند. تمت مراعاة العوامل مثل الجفاف وتغيرات المناخ التي أدت إلى تحولات بيئية جذرية في هذه المناطق. هذه التغيرات أثرت أيضًا على البكتيريا المسببة للطاعون.  في تلك الفترة، كانت الإمبراطورية المغولية هي القوة السائدة في تلك المنطقة، 

في رغبتهم الشديدة للسيطرة على طرق التجارة الهامة، بما في ذلك طريق الحرير الذي ربط الصين بأوروبا، قام المغول بحملات عسكرية طموحة. أحاطوا بمدينة كافا على شبه جزيرة القرم في البحر الأسود، والتي كانت مركزًا تجاريًا حيث تجمع التجار الإيطاليين. ومع ذلك، تأثروا بشكل كبير بوباء الطاعون واضطروا إلى الانسحاب.




قبل مغادرتهم المنطقة، قام المغول بإجراء عمل غريب ومروع. بدأوا في رمي جثث موتاهم في مدينة كافا، مما أدى إلى تلوث مصادر المياه وتلوث الهواء. وبدأت المدينة بشكل سريع تفشي الوباء، مما دفع الإيطاليين إلى اتخاذ إجراءات يائسة للبقاء على قيد الحياة، بما في ذلك الهروب.

في شهر أكتوبر من عام 1347، وصلت 13 سفينة إلى ميناء ميسينا في جزيرة صقلية الإيطالية. ولكن عندما صعد الناس إلى السفن، واجهوا منظرًا رهيبًا ومروعًا...

قُتل معظم الناس الذين كانوا على متن تلك السفن، وأما من نجا فأصيب بشدة واستنزفه الإرهاق. ظهرت طفحات سوداء على جلده تنزف دمًا وصديدًا.

على الفور، أمرت السلطات بمنع وصول السفن إلى الميناء، لكن الأوان كان قد فات، حيث انتقل الوباء الخفي من السفينة إلى المدينة وانتشر في أوروبا.



في بداية انتشار المرض، كانت الأعراض متمثلة في تورمات تظهر في مناطق الحوض وتحت الإبطين، حجمها كان يتراوح ما بين حجم البيضة والتفاحة، وأصبحت معروفة باسم "دمامل الطاعون". تسببت هذه الدمامل في تدفق الدم والصديد، مما أتى بعد ذلك معه أعراض أخرى مثل الحمى والرعشة والقيء والإسهال، وكان ذلك يترتب عليها آلام شديدة. وبعد هذه المرحلة لم يكن هناك سوى الموت كخيار لا مفر منه.مجرد لمس أي ملابس تحملها شخص مصاب بالمرض كان كافيًا لنقل العدوى إليك.

في المساء كان بعض الأشخاص بصحة جيدة، ولكن عندما حلت الصباح، وجدوا أنفسهم في عداد الموتى

يثار التساؤل حول أسباب وتأثيرات الطاعون، وسواء كان هذا المرض عقوبة من الله للبشر أم لا. 

تمكّن العالم الفرنسي ألكسندر يرسين في نهاية القرن التاسع عشر من كشف سر الموت الأسود، المعروف أيضًا بالطاعون. تبيّن أن السبب وراء هذا المرض هو وجود بكتيريا عصوية تُعرف باسم "Yersinia Pestis". كانت هذه البكتيريا تنتقل بين الأشخاص عن طريق الهواء ومن خلال عضات البراغيث والفئران المصابة. وكانت هذه الفئران منتشرة بشكل واسع في تلك الفترة. 

كان انتشار الطاعون واسعًا في أوروبا وتأتي هذه الجائحة بقوة في المنازل وعلى متن السفن. هذا الواقع أدى إلى انتقال المرض من ميناء لآخر بشكل سريع. بدأ الطاعون في ميسينا، ثم انتقل إلى مرسيليا في جنوب فرنسا وتونس شمال أفريقيا، ومن ثم اجتاح مدنًا مهمة مثل روما، فلورنسا، باريس، بوردو في فرنسا، لندن وبريطانيا. وفي منتصف عام 1347، انتشر الوباء بشكل مخيف. 

على الرغم من وجود نظريات مختلفة للتفسير، لم يكن هناك تفسير موثوق به للموت الأسود وانتشاره آنذاك. إلى درجة أن أحد الأطباء أشار إلى فكرة أن "الروح الهوائية تنتقل من المرضى إلى الأشخاص الأصحاء من حولهم، مما يؤدي إلى الموت الفوري". 

كان الناس يلجؤون إلى إجراءات يائسة في محاولة للتعامل مع الوباء. فقد كانوا يقومون بفقع الدمامل على أجسادهم كوسيلة علاجية، على الرغم من أن هذا الإجراء كان خطيرًا وغير فعّال. كما كانوا يلجؤون إلى طقوس غريبة مثل الاستحمام بماء الورد والخل في محاولة للوقاية من المرض.

الأوضاع كانت مأساوية، حيث كان الأشخاص الأصحاء في حالة هلع. رفض الأطباء فحص المرضى، وأيضًا رفض الرهبان إقامة طقوس الجنازة للأموات. تسبب انتشار الوباء في اضطرار أصحاب المحلات إلى نقل أماكن أعمالهم، وهربت معظم الناس من المدن إلى الريف، ولكن حتى هناك لم يتمكنوا من الهروب من المرض؛ حيث تأثرت الحيوانات أيضًا بالوباء بما في ذلك الأبقار والماعز والخراف والخنازير والدجاج، مما أدى إلى نقص في المنتجات مثل الصوف واللحوم.

كان الناس يتركون أحبائهم المصابين يموتون ويهربون بأجسادهم للحفاظ على أنفسهم. هل كان الطاعون عقوبة إلهية؟ هذا سؤال يظل محل جدل، حيث تبقى تلك الحقبة من التاريخ مليئة بالألغاز والأحداث الرهيبة. 

نتيجة للجهل وعدم فهم حقيقة المرض، اعتقد العديد من الناس أن الطاعون والموت كانا عقوبة إلهية وانتقاماً عن ذنوبهم ومعاصيهم، مثل الطمع والكفر والهرطقة والزنا والسفاحة والإلحاد، وبالتالي اعتبروا أن الحلا كان في تطهير المجتمع من الذنوب لنيل مغفرة الله.

في هذا السياق، تم قتل الآلاف من اليهود بين عامي 1348 و1349، وهاجر الآلاف الآخرون إلى شرق أوروبا. كان هناك أيضًا من تعامل مع الوباء بالشتم والإهانة لجيرانهم، بينما لجأ البعض الآخر إلى العزلة والقلق على سلامتهم. بالنسبة للسلطات والحكام، كانوا يتبعون الجلادين من مدينة إلى أخرى للقيام بعمليات التوبة والتعذيب. قد تضمنت هذه العمليات ضرب الأنفس أو غيرهم بسياط مزودة بقطع من الحديد، وكان الناس يشاهدون هذه العمليات بأم عينهم. كانوا يقيمون في كل مدينة لمدة 33 يومًا ونصف اليوم حيث كانوا يؤدون نفس الطقوس ثلاث مرات في اليوم.

وعلى الرغم من أن بعض الناس قد شعروا بالراحة تجاه هذه العمليات نتيجة لعجزهم عن التعاطي مع المأساة التي عاشوها، إلا أن هذه الأحداث أثرت على انطباع البابا الذي شعر بعجزه وفقدانه للسيطرة، مما أدى في النهاية إلى توقف عمليات التعذيب.

كيف انتهى الوباء المروع؟

الطاعون لم ينقرض أبدًا، بل عاد في فترات متفاوتة على مر الزمن، حتى في الأوقات الحديثة. لكن هذه المرة، اتخذ مسئولو مدينة البندقية إجراءات صارمة للتحكم في انتشار المرض. قاموا بعزل السفن المصابة وأجبروا البحارة على الامتثال للحجر الصحي، حيث قضوا فترة تصل إلى 30 يومًا (أو حتى 40 يومًا، ومن هنا جاء مصطلح "الحجر الصحي" أو "Quarantine" الذي نعيشه حاليا.

بالرغم من أن الوباء انحسر في عام 1350، إلا أنه شهد عودة دورية على مر الزمن. وبالرغم من تحسن الخدمات الصحية والصحة العامة التي خففت من حدة المرض، إلا أنه لم ينقرض بالكامل.




رغم أن هناك علاج بالمضادات الحيوية، إلا أن منظمة الصحة العالمية (WHO) تسجل حالات طاعون سنويًا تتراوح بين 1000 و 3000 حالة. على مر العصور، قضى الطاعون على ثلث سكان أوروبا وتسبب في وفاة ملايين الأشخاص، وأدى إلى أزمات اقتصادية استمرت لقرون طويلة حتى تم التعافي منها.

في الفترة ما بين 2010 و 2015، تم تسجيل 3248 حالة إصابة بالطاعون بالإضافة إلى 584 حالة وفاة. ورغم ذلك، تحسنت سيطرة الجهات الصحية على المرض بفضل العلاج بالمضادات الحيوية.

 

في الختام، بغض النظر عن القوة التي يمكن أن يتحلى بها الإنسان، يظل هشًا أمام قوة الله العظيمة التي تظهر في كائنات صغيرة وخطيرة لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة. 

ندعو الله أن يرفع عنا البلايا والأوبئة، ويمن علينا بدوام الصحة والعافية. ♥

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن الكاتب

سلاسل علمية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المشاركات الشائعة

جميع الحقوق محفوظة

رحلة المعرفة والعلم